الشيخ محمد النهاوندي

54

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أقول : قد مرّ أنّ المراد من إنزال جبرئيل تفسيره حين إنزالها ( خير أمّة ) بالأئمّة ، لا وقوع التّحريف فيها ، وعليه تحمل سائر الرّوايات . وعن القمّي رحمه اللّه عنه عليه السّلام أنّه قرئ عليه كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ فقال [ أبو عبد اللّه عليه السّلام : « خير أمّة ] يقتلون أمير المؤمنين ، والحسن والحسين عليهم السّلام ؟ ! » فقال القارئ : جعلت فداك ، كيف نزلت ؟ فقال : « نزلت ( كُنْتُمْ خَيْرَ أئمّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ألا ترى مدح اللّه لهم : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ؟ » « 1 » . وعن ( المناقب ) : عن الباقر عليه السّلام أنّه : « خير أمّة « 2 » بالألف ، نزل بها جبرئيل ، وما عنى بها إلّا محمّدا وعليّا والأوصياء من ولده » « 3 » . قال بعض العامّة : لو شاء اللّه تعالى لقال : ( أنتم خير أمّة ) حتّى يشمل جميع الامّة إلى يوم القيامة ، ولكن قال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ليختصّ بالمخصوصين ، وقوم معيّنين من أصحاب الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ؛ وهم السّابقون الأوّلون . وروي من طريق عامّيّ عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ الّذين هاجروا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة « 4 » . وعن الضّحّاك : أنّهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خاصّة « 5 » . أقول : لا ريب أنّ المراد من ( الأمّة ) في الآية ليس جميعهم إلى يوم القيامة ، ولا جميع الحاضرين في زمان الخطاب من الصّحابة ، للقطع بفسق كثير منهم ؛ كأبي سفيان ومعاوية . ولا دليل على تعيين خصوص المهاجرين ، بعد القطع بعدم إرادة المعنى الحقيقي وهو العموم ، فلا بدّ من حملها على المتيقّن وهو أمير المؤمنين ومن يحذو حذوه . في بيان عدم حجية الاجماع إلّا بموافقة رأي المعصوم وقال الفخر الرازي في تفسيره : احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ إجماع الامّة حجّة « 6 » . وفيه مضافا إلى منع الدّلالة : أنّ المراد إن كان اتّفاق جميع الامّة - كما هو ظاهر اللّفظ - فنحن نقول به ، لكن لا من حيث الاتّفاق ، بل لوجود الإمام المعصوم الذي هو أفضل الأمّة فيهم . وإن كان المراد اتّفاق بعضهم ، فمع أنّه ليس بإجماع حقيقة [ فانّ ] إرادة خصوص أهل البيت - الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ، وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « إنّهم حبل اللّه » « 7 » ،

--> ( 1 ) . تفسير القمي 1 : 110 ، تفسير الصافي 1 : 342 . ( 2 ) . في المصدر : أنتم خير أمّة أخرجت للنّاس . ( 3 ) . مناقب ابن شهرآشوب 4 : 2 ، تفسير الصافي 2 : 343 . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 2 : 71 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 2 : 71 . ( 6 ) . تفسير الرازي 8 : 178 . ( 7 ) . كتاب سليم بن قيس : 134 .